
د. أحمد محمد محمود – خبير مصرفي محاضر معتمد بالمعهد المصرفي المصري
مقدمة
تشهد الصناعة المصرفية العالمية في عام 2026 مرحلة مفصلية تتسم بتعقّد بيئة المخاطر وتداخلها، نتيجة تسارع التحول الرقمي، واستمرار التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية، وارتفاع مستويات عدم اليقين في الأسواق المالية. وقد أدت هذه التطورات إلى إعادة تقييم شاملة لفعالية نماذج قياس وإدارة المخاطر المصرفية، خاصة تلك التي اعتمدت تقليديًا على البيانات التاريخية والافتراضات الخطية.
وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى الانتقال من النماذج التقليدية إلى أطر حديثة أكثر ديناميكية، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، وقادرة على تعزيز الحوكمة وإدارة المخاطر المؤسسية (ERM).
أولًا: التحول من النماذج التقليدية إلى الأطر الحديثة لقياس المخاطر
اعتمدت البنوك لفترات طويلة على نماذج تقليدية لقياس المخاطر، ركزت على تصنيف المخاطر إلى فئات مستقلة مثل مخاطر الائتمان، مخاطر السوق، مخاطر السيولة، ومخاطر التشغيل، واستخدمت أدوات كمية محدودة نسبيًا مثل القيمة المعرضة للخطر (VAR)، ونسب الديون غير المنتظمة، ومؤشرات السيولة الرقابية، وقيم الخسائر التشغيلية التارجية المسجلة علي قواعد البيانات.
إلا أن هذه النماذج أثبتت محدوديتها في التعامل مع بيئة المخاطر الحديثة التي تتسم بالتعقيد والترابط والتطور الديناميكي السريع، ومن ثم شهدت الأطر الحديثة تحولًا جوهريًا يتمثل في:
- الانتقال من القياس الساكن إلى القياس الديناميكي للمخاطر.
- دمج أنواع المخاطر المختلفة ضمن إطار إدارة المخاطر المؤسسية (ERM).
- استخدام اختبارات تحمّل متقدمة تأخذ في الاعتبار السيناريوهات المركبة وغير الخطية.
- الاعتماد على البيانات الضخمة والتحليلات التنبؤية بدلًا من الاقتصار على البيانات التاريخية.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المخاطر المصرفية لم تعد مستقلة، بل مترابطة وتتفاعل بشكل متسارع في أوقات الأزمات.
ثانيًا: تداعيات قصور نماذج قياس المخاطر التقليدية بعد الأزمات المتتالية
أظهرت الأزمات المتعاقبة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في الفترة 2020/2025، قصورًا واضحًا في النماذج التقليدية لقياس المخاطر فعلى الصعيد الدولي، كشفت اضطرابات بعض البنوك العالمية عن ضعف قدرة نماذج VAR على استيعاب مخاطر السوق (Market Risks)بشكل فعال وكفء، حيث فشلت في التنبؤ بالخسائر الحادة الناتجة عن الارتفاع السريع في أسعار الفائدة وتقلبات الأسواق المالية مع التذبذب عالي الحدة في تلك الاسعار والنسب.
وتشير بيانات دولية إلى أن أكثر من 70% من الخسائر المصرفية غير المتوقعة خلال الأزمات الأخيرة خلال الفترة 2020–2025 لم تكن مغطاة بشكل كافٍ ضمن نماذج المخاطر التقليدية، نتيجة اعتمادها على افتراضات استقرار الأسواق وهو ما لا يحدث فيي الواقع العملي، كما أظهرت تقارير رقابية أن الخسائر التشغيلية المرتبطة بالأعطال التقنية والهجمات السيبرانية شهدت نموًا سنويًا تجاوز 25% عالميًا خلال الفترة 2022/2025.
إقليميًا، واجهت بنوك في الأسواق الناشئة تحديات ناتجة عن تقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف التمويل، وهو ما كشف ضعف النماذج التقليدية في قياس التداخل بين مخاطر السوق والائتمان.
أما محليًا، فقد أبرز التوسع في الخدمات المصرفية الرقمية زيادة التعرض لمخاطر التشغيل والأمن السيبراني، وهي مخاطر لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي في الأطر التقليدية.
ثالثًا: دور الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في التنبؤ بالمخاطر
في ضوء هذه التحديات، أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) والتعلم الآلي (Machine Learning) من أبرز الأدوات المستخدمة لتطوير قياس المخاطر المصرفية. إذ تتيح هذه التقنيات تحليل كميات ضخمة من البيانات المالية وغير المالية، واكتشاف أنماط خفية لا تستطيع النماذج التقليدية رصدها.
في مجال مخاطر الائتمان ساهمت نماذج التعلم الآلي في تحسين دقة التنبؤ بالتعثر بنسبة تتراوح بين 15% و30% مقارنة بالنماذج الإحصائية التقليدية، وفقًا لدراسات مصرفية دولية، كما استخدمت البنوك نماذج الذكاء الاصطناعي في الإنذار المبكر لرصد التغيرات السلوكية للمقترضين قبل حدوث التعثر الفعلي.
في مجال مخاطر التشغيل فقد أتاح الذكاء الاصطناعي تحليل بيانات الحوادث التشغيلية والهجمات السيبرانية بشكل لحظي، مما ساعد على تقليص زمن الاستجابة للأحداث التشغيلية بنسبة تجاوزت 40% في بعض البنوك الكبرى.
في مجال مخاطر السوق والسيولة مكّنت النماذج التنبؤية البنوك من محاكاة سيناريوهات معقدة تتضمن صدمات متعددة في آن واحد.
رابعًا: التحديات التنظيمية والأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البنوك
على الرغم من المزايا الكبيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر، إلا أن تطبيقه يثير عددًا من التحديات التنظيمية والأخلاقية.
فمن الناحية التنظيمية، تواجه الجهات الرقابية صعوبة في تقييم قابلية تفسير نماذج الذكاء الاصطناعي.
كما تبرز مخاوف تتعلق بجودة البيانات والتحيز الخوارزمي، حيث قد تؤدي البيانات غير المتوازنة إلى نتائج تمييزية أو قرارات ائتمانية غير عادلة، وتشير دراسات دولية إلى أن نحو 60% من الجهات الرقابية ترى أن الحوكمة غير الكافية للذكاء الاصطناعي تمثل خطراً محتملاً على الاستقرار المالي.
أخلاقيًا، يفرض استخدام AI تساؤلات حول حماية البيانات، وخصوصية العملاء، والمسؤولية القانونية عن القرارات الآلية، وهو ما يستدعي أطرًا واضحة لحوكمة استخدام التكنولوجيا داخل البنوك.
خامسًا: الانعكاسات على الحوكمة وإدارة المخاطر المؤسسية (ERM)
أدى إدماج التقنيات الحديثة في قياس المخاطر إلى إعادة تشكيل أطر الحوكمة المصرفية وإدارة المخاطر المؤسسية. فقد أصبح من الضروري تعزيز دور مجالس الإدارات ولجان المخاطر في الإشراف على استخدام النماذج المتقدمة، وضمان توافقها مع شهية المخاطر المؤسسية.
كما أسهمت الأطر الحديثة في تعزيز التكامل بين وحدات المخاطر المختلفة، وتحسين عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي على أساس تحليلي استباقي، وتشير تقارير دولية إلى أن البنوك التي تبنّت أطر ERM مدعومة بالتحليلات المتقدمة سجلت تحسناً في كفاية رأس المال بنسبة تتراوح بين 10% و15% مقارنة بالبنوك التي لا تزال تعتمد على نماذج تقليدية.
الخاتمة
في ضوء التحديات المتسارعة التي يشهدها النظام المالي العالمي في عام 2026، يتضح أن إدارة المخاطر المصرفية لم تعد خيارًا تشغيلياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية.
ويُعد التحول من النماذج التقليدية إلى الأطر الحديثة، المدعومة بالذكاء الاصطناعي وحوكمة فعالة، عاملاً حاسماً لتعزيز استقرار البنوك وقدرتها على الصمود، وفي هذا الإطار، تمثل إدارة المخاطر المؤسسية المتكاملة حجر الزاوية لبناء قطاع مصرفي أكثر مرونة واستدامة على المستويين المحلي والدولي.



