
د. أحمد محمد محمود – خبير مصرفي محاضر معتمد بالمعهد المصرفي المصري
أولا: الإطار المفاهيمي للسيادة الرقمية في الخدمات المصرفية
شهد القطاع المصرفي العالمي خلال العقد الأخير تحولاً هيكلياً عميقًا مدفوعًا بالتقدم التكنولوجي المتسارع، والإعتماد المتزايد علي البنية التحية الرقمية، وانتشار تقنيات الحوسبة السحابية والذكاء الإصطناعي وسلاسل الكتل، وفي هذا السياق برز مفهوم السيادة الرقمية (Digital Sovereignty) بإعتباره احد المفاهيم المحورية في الحوكمة المالية المعاصرة.
ويقصد بالسيادة الرقمية في الخدمات المصرفية: قدرة الدولة والبنوك العاملة داخلها على التحكم في البيانات المالية الوطنية، والبنى التحتية التكنولوجية، وأنظمة المدفوعات بما يضمن استقلال القرار الرقمي الوطني، وحماية الأمن السيبراني، والإمتثال للتشريعات المحلية.
ولا يقتصر المفهوم علي مجرد تخزين البيانات داخل الحدود الجغرافية للدولة بل يمتد ليشمل التحكم في سلاسل القيمة الرقمية، وتقليل الإعتماد المفرط علي مزودي خدمات أجانب قد يخضعون لاختصاصات قانونية و تشريعية خارجية، ومن ثم فإن السيادة الرقمية تمثل بعداً إستراتيجيا للأمن القومي المالي خاصة في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وتزايد الهجمات السيبرانية العابرة للحدود.
ثانياً: الفرص المرتبطة بالسيادة الرقمية في الخدمات الرقمية في الخدمات المصرفية
تمثل السيادة الرقمية ركيزة اساسية لتعزيز الاستقرار المالي ودعم الشمول المالي وتحسين الكفاءة التشغيلية فعلي المستوي العالمي تشير تقارير الصناعة الي أن أكثر من 53% من سكان العالم سيستخدمون الخدمات المصرفية الرقمية بحلول العام الحالي “2026”، وهو ما يعكس التحول الهيكلي في نماذج تقديم الخدمات المالية.
وفي السياق المصري شهدت منظومة المدفوعات الرقمية تطورا ملحوظاً خلال الثلاث سنوات الأخيرة، فقد تجاوز عدد المحافظ الإلكترونية للهاتف المحمول 50 مليون محفظة بنهاية عام 2024، كما تخطيت عدد معاملات المدفوعات الرقمية أكثر من 40 مليون معاملة بقيمة تجاوزت 32 مليار جنيه حتى يونيو 2025، في ظل توجهات البنك المركزي الرامية الي دعم الشمول المالي والتحول الي مجتمع أقل إعتماداً علي النقد، كما إرتفعت نسبة الشمول المالي لتتجاوز 70% من البالغين مقارنة بأقل من 35% في 2015 وهو ما يعكس نجاح البنية الرقمية الوطنية، وتتيح السيادة الرقمية عدة فرص إستراتيجية من أهمها:
- تعزيز الشمول المالي عبر منصات دفع وطنية منخفضة التكلفة ومثل أنظمة الدفع الفوري ككا يسهم في دمج الفئات غير المتعاملة مصرفياً.
- تقليل مخاطر الإعتماد الخارجي من خلال تطوير مراكز بيانات وطنية ومنصات سحابية محلية.
- تعزيز الابتكار المالي عبر اتاحة بيئات تنظيمية مرنة (Regulatory Sandboxes) تدعم شركات التكنولوجيا المالية.
- تحسين كفاءة إدارة المخاطر بإستخدام التحليلات الضخمة و االذكاء الإصطناعي في الكشف المبكر عن المخاطر وحالات الاحتيال.
فعلي سبيل المثال أظهرت التجربة البرازيلية في نظام الدفع الفوري (PIX) قدرة المنصات الوطنية علي تحقيق انتشار واسع حيث استخدم النظام من قبل اكثر من 70% من السكان البرازيلين خلال سنوات قليلة من اطلاقه مما عزز إستقلال منظومة المدفوعات الرقمية الوطنية.
ثالثاً: التحديات والمخاطر المرتبطة بالسيادة الرقمية
رغم الفرص الواعدة تفرض السيادة الرقمية مجموعة معقدة من المخاطر التشغيلية والإستراتيجية حيث تشير تقارير دولية الي ان تكلفة الجرائم السيبرانية عالميا قد تجاوز10 تريليون دولار امريكي سنويا بنهاية 2025 وهو ما يعكس تصاعد المخاطر المرتبطة بالإعتماد الرقمي المكثف، وتتمثل اهم تلك المخاطر فيما يلي:
- المخاطر السيبرانية: مثل هجمات الفدية (Ransomware)، واختراق قواعد البيانات، والهندسة الإجتماعية.
- مخاطر التركز السحابي: حيث تعتمد العديد من البنوك عالميا علي عدد محدود من مزودي الخدمات السحابية ككا يخلق مخاطر تركز نظامية.
- المخاطر القانونية والتنظيمية: المرتبطة بتضارب الإختصاصات القضائية في حال تخزين البيانات خارج حدود الدولة.
- مخاطر الطرف الثالث نتيجة التوسع في التعاقد مع شركات التكنولوجا المالية ومقدمي الخدمات الرقمية.
وفي الحالة المصرية ومع التوسع السريع في خدمات المدفوعات الرقمية تزداد الحاجة الي تعزيز مرونة البنية التحتية الرقمية ضد الهجمات المتطورة خاصة مع تصاعد محاولات الاحتيال الإلكتروني المرتبطة بالتحول الرقمي.
رابعاً: أفضل الممارسات واساليب ادارة مخاطر السيادة الرقمية
تتطلب إدارة مخاطر السيادة الرقمية إطارا متكاملا وشاملا يجمع بين الحوكمة الفعالة والبنية التحتية الأمنة والرقابة المستمرة، ومن اهم الممارسات الدولية ما يلي:
- تبني أطر المرونة التشغيلية الرقمية مثل اللائحة الأوروبية للمرونة الرقمية (DORA) والتي تفرض إجراء اختبارات ضغط رقمية دورية وادارة صارمة لمخاطر الطرف الثالث.
- إعتماد التحقق متعدد العوامل (MFA) وتطبيق مبدأ إنعدام الثقة (Zero Trust Architecture).
- توطين مراكز البيانات الحساسة مع إعتماد نموج السحابة السيادية الوطنية.
- تعزيز اختبارات الإختراق والتقييم المستمر للضوابط السيبرانية.
- إنشاء وحدات متخصصة لإدارة مخاطر التكنولوجيا والابتكار الرقمي ضمن هيكل ادارة المخاطر المؤسسية.
وفي مصر أصدر البنك المركزي المصري تعليمات خاصة بالأمن السيبراني وإدارة مخاطر تكنولوجيا المعلومات، كما اطلق نظام الدفع اللحظي (InstaPay) لتعزيز البنية الوطنية للمدفوعات بما يعكس توجها واضحاً نو ترسيخ السيادة الرقمية.
خامساً: التجارب الدولية والإقليمية والمحلية
علي المستوي الدولي يمثل الاتحاد الأوروبي نموذجا متقدما في حماية السيادة الرقمية من خلاب تشريعات حماية البيانات (GDPR) ولائحة DORA، كما اتجهت الصين الي تطوير بنية دفع وطنية مستقلة وتقنيات محلية للحوسبة السحابية.
إقليمياً عززت بعض دول الخليج العربي إستثماراتها في مراكز البيانات الوطنية والسحابة الحكومية مع وضع تشريعات شاملة وصارمة لحماية البيانات الرقمية الوطنية.
أما في مصر فقد تبني البنك المركزي إستراتيجية التحول الرقمي (2022-2026) التي تركز علي تعزيز الشمول المالي وتطوير البنية التحية للمدفوعات ودعم الابتكار المالي في إطار رقابي متوازن، ويعكس اطلاق شبكات الدفع الوطنية، والتوسع في المحافظ الإلكترونية، وتطبيقات الدفع الفوري، مساراً واضحا نحو تعزيز السيادة الرقمية مع مراعاة إدارة المخاطر بكافة مسبباتها.
ختامًا تمثل السيادة الرقمية في الخدمات المصرفية ضرورة إستراتيجية وليست خياراً تنظيمياً خاصة في ظل البيئة المالية العالمية المتقلبة والتطور السريع للتكنولوجيا المالية فهي توفر فرصًا واعدة لتعزيز الشمول المالي والكفاءة التشغيلية والاستقلال الاستراتيجي، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديات معفدة تتطلب أطر متقدمة لإدارة المخاطر.
وفي السياق المصري يتطلب تعظيم الأستفادة من السيادة الرقمية تبني نهج متوازن يجمع بين الابتكار والإنضباط الرقابي وتطوير القدرات الوطنية في الامن السيبراني، وتقليل مخاطر التركز التكنولوجي، بما يعزز الإستقرار المالي ويدعم تنافسية القطاع المصرفي المصري إقليمياً ودولياً.


