لماذا تلجأ الأسواق الناشئة لصندوق النقد الدولي؟

الدكتور/ أحمد متولي – الباحث المصرفي

     وجدت الأسواق الناشئة نفسها في قلب دوامة من الأزمات والتحديات سواء السياسية أو الصحية او الاقتصادية والتي بدأت منذ بداية عام 2020 وكان من أهمها ازمة فيرس كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية، ضعف سلاسل الأمداد، ارتفاع أسعار الفائدة، ارتفاع أسعار الطاقة، ارتفاع معدلات التضخم، وأخيرا انخفاض معدلات النمو بشكل عام. وتعاني الأسواق الناشئة بشكل كبير من استمرار ارتفاع معدلات الفائدة الامريكية والتي بدورها تؤثر بشكل كبير على الاستثمارات في الأسواق الناشئة.

     الحرب الروسية الأوكرانية أدت الى اضرار اقتصادية ناجمة عن الصراع الى تباطؤ ملحوظ في النمو العالمي خلال عام 2022 وارتفاع مستويات التضخم وزيادة أسعار الطاقة والغذاء وتوقع تباطؤ النمو العالمي من 6.1% في عام 2021 الى 3.6% في عامي 2022 و2023.

الجدول (1) آخر توقعات النمو في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي (%)

202320222021الدولة
4.43.86.8اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية
5.65.47.3اسيا الصاعدة والنامية
1.3-2.96.7أوروبا الصاعدة والنامية
1.40.84.6البرازيل
2.524.8المكسيك
3.74.65.7الشرق الأوسط وأسيا الوسطي
3.67.63.2المملكة العربية السعودية
43.84.5أفريقيا
2.43.35.2الاقتصادات المتقدمة
2.33.75.7الولايات المتحدة
4.33.87اقتصاديات الأسواق الصاعدة ومتوسطة الدخل

المصدر: صندوق النقد الدولي، تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، إبريل 2022

     ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة الامريكية أدى الى دفع تعزيز قوة الدولار، ومن ثم أصبح الاقتراض بالعملات الأجنبية من الأسواق الناشئة أكثر تكلفة، ومع تدهور التصنيف الائتماني لبعض الأسواق الناشئة وارتفاع مديونيتها، واجهت هذه الأسواق هجرة جماعية من المستثمرين الأجانب الذين يبحثون على الملاذ الامن للاستثمار في الأسواق المستقرة. وهو ما يجبر الأسواق الناشئة الى رفع أسعار الفائدة أيضا دون وجود استثمارات اجنبية بها ودون وجود استثمارات او مشروعات او قطاعات اقتصادية تكون قادرة على توليد إيرادات مالية وتغطية مدفوعات فواتير ارتفاع الفائدة.

     ارتفعت معدلات الديون الخارجية للأسواق الناشئة الى مستويات قياسية، والتي بدأت عندما قرارات حكومات الدول زيادة الانفاق للتخفيف من اثار كوفيد -19، وبالتالي كان الطريق الاسهل لتلك الدول لمواجهة العديد من الازمات وزيادة الاحتياطي الأجنبي لها، وقدراتها على توفير السلع الأساسية التي يتم استيرادها من الخارج بالعملات الأجنبية هو الوصول الى مؤسسات التمويل الدولية والتي من أهمها صندوق النقد الدولي، حيث ان الصندوق يلعب دوراً أساسيا برغم ان قدرته على تقديم تمويل بشروط ميسرة محدودة.

     صندوق النقد الدولي لديه قدرة واسعة على الإقراض التقليدي في حالات الطواري للأسواق الناشئة، ويساعدها على إعادة هيكلة ديونها مع الدائنين الدوليين، ومواجهة هذه الأسواق لنفقاتها في ظل ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، اللجوء لصندوق النقد الدولي أصبح ضرورة ملزمة للعديد من الأسواق الناشئة بالرغم من ان إجراءات او شروط الصندوق ستكون لازمة لحل ازمة ميزان المدفوعات مثل تخفيض العملة وتقليص الدعم بشكل خاص، وهو إجراءات تعتبر مؤلمة للعديد من الأسواق الناشئة.

     الهدف من قروض الصندوق هو إعطاء البلدان الأعضاء فرصة لالتقاط الانفاس حتي تنتهي من تنفيذ سياسات تصحيحية منظمة تستعيد بها الظروف الملائمة لاقتصاد مستقر ونمو مستدام، وتختلف هذه السياسات حسب ظروف كل بلد، فعل سبيل المثال قد يحتاج البلد الذى يواجه هبوطاً مفاجئا في أسعار صادراته الأساسية الى مساعدة مالية وهو يمر بمرحلة تنفيذ تدابير لتقوية اقتصاده وتوسيع قاعدة صادراته، وقد يحتاج البلد الذى يعاني من خروج التدفقات الرأسمالية بشكل حاد الى معالجة المشكلات التي أدت الى فقدان ثقة المستثمرين – فربما تكون أسعار الفائدة شديدة الانخفاض او عجز الموازنة ورصيد الدين يتناميان بسرعة كبيرة او النظام المصرفي غير كفء او ضعيف التنظيم.

     وفى غياب تمويل المؤسسات الدولية يمكن أن تكون عملية التصحيح في البلدان اكثر حدة وصعوبة، حيث يكون التمويل المقدم من المؤسسات الدولية له دور كبير في تيسير القيام بعملية تصحيح اكثر تدرجا واكثر دقة، وتصمم الأدوات المختلفة التي يستخدمها الصندوق بشكل خاص في الإقراض بحيث تتلاءم مع احتياجات ميزان المدفوعات بأنواعها المختلفة وكذلك الظروف الخاصة لكل بلد عضو، وعلى مدار التاريخ كان الصندوق يقدم معظم مساعداته لاقتصادات الأسواق الصاعدة والمتقدمة الواقعة في أزمات باستخدام برنامج ” اتفاقات الاستعداد الائتماني ” لمعالجة مشكلات ميزان المدفوعات الاحتمالية او ذات الاجل القصير. ويأتي برنامج ” تسهيل الاستعداد الائتماني ” ليقوم بنفس الدور ولكن للبلدان منخفضة الدخل، اما ” تسهيل الصندوق الممد ” و ” التسهيل الائتماني الممدد ” المخصصان للبلدان منخفضة الدخل أيضا وهما الاداتان الاساسيتان لدى الصندوق لتقديم دعم متوسط الاجل للبلدان التي تواجه مشكلات مطولة في ميزان المدفوعات.

الجدول (2) قائمة الأنشطة المالية لصندوق النقد الدولي في آخر أسبوع من شهر سبتمبر 2022

     وللمساعدة على منع الأزمات او تخفيفها وتعزيز ثقة السوق في الفترات التي ترتفع فيها المخاطر، يتاح للبلدان الأعضاء ذات السياسات الاقتصادية القوية بالفعل استخدام ” خط الائتمان المرن ” أو ” خط الوقاية والسيولة “، ومن خلال ” أداة التمويل السريع ” أو ” التسهيل الائتماني السريع ” يقدم الصندوق مساعدات عاجلة أيضا للبلدان منخفضة الدخل التي تواجه موازين مدفوعاتها احتياجا ملحا، بما في ذلك الاحتياجات الناتجة عن صدمات أسعار السلع الأولية والكوارث الطبيعية. ومن هنا نجد تعدد برامج التمويل المقدمة من صندوق النقد الدولي المقدمة لأعضائه وذلك لتصحيح مسارها الاقتصادي، وتختلف البرامج وفقا للدولة ومشاكلها.

الجدول (3) تاريخ تعامل مصر مع صندوق النقد الدولي ونوع البرنامج

شاهد أيضاً

تقييم مخاطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على المستوى الوطني

عصام بركات وكيل المحافظ المساعد نائب المدير التنفيذي لوحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الرئيس …