الموت البطيء للمعاملات النقدية في ظل تطبيق التحول الرقمي

أحمد متولي – باحث مصرفي.

بنهاية الأعوام السابقة، بدأنا نشعر بالموت البطيء للمعاملات النقدية على المستوى المحلي، وأن وجود مجتمع ذكي لا يتعامل بالنقود في المستقبل القريب أمر حتمي لابد من تنفيذه، خصوصا بعد انتقال معظم دول العالم إلى استخدام محافظ الهاتف المحمول أو الدفع الإلكتروني وغيرها من الطرق التي تمنع تداول النقود بشكل عام، وفي مصر أصبح التحول إلى مجتمع غير نقدي ليس بالمستحيل.

     ففي عام 2020، أصبحنا نشهد عديد من التغيرات التي تدفعنا إلى التوسع نحو التحول الرقمي من خلال قنوات الدفع الإلكترونية، خصوصا في ظل الظروف الصحية التي يعيشها العالم حاليا، وأنها أحد أهداف استراتيجية التنمية المستدامة وفقاً لرؤية مصر 2030، حيث أصبحت عديد من الشركات ترفض المدفوعات النقدية ولا تتعامل إلا من خلال التحويل الحسابي فقط.

     أصبحت عديد من البنوك المركزية للكثير من الدول تناقش فعلياً تطبيق التحول إلى العملة الرقمية خلال الخمسة أعوام القادمة، وإنشاء مدن ذكية حقيقية لا يوجد بها تعاملات نقدية على الإطلاق، والتي منها الولايات المتحدة الامريكية التي ناقشت تحويل عملة الدولار إلى عملة رقمية، وفى الوقت نفسه تقوم الحكومات في دول الإمارات وكوريا الجنوبية وكندا وسنغافورة والاتحاد الأوربي باستكشاف طرق جديدة لتقديم العملات الرقمية لمواطنيها.

     للتحول الرقمي عديد من المزايا في مصر تشمل إتمام عمليات الدفع بسرعه وسهولة، من خلال دفع قيمة المشتريات عن طريق محافظ الهاتف المحمول أو المحافظ الالكترونية. ولكن على الجانب الآخر، يتوقع أن يسبب التحول الرقمي عديد من المشاكل لشريحة المجتمع التي تعتمد على النقود الورقية كثيرا، مثل كبار السن، والشركات متناهية الصغر. إلا أن الحكومة والبنك المركزي يتعاملان الآن على حل تلك المشكلة من خلال طرح بطاقات ميزة للمعاشات وكبار السن، وخاصية ال QR Code للشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وذلك للانتقال نحو الشمول المالي للاستفادة على المدى الطويل من المدفوعات الرقمية مثل الحد من التعاملات في السوق السوداء، وبالتالي انخفاض الجرائم المالية والنقدية.

     يمر التحول الرقمي بعديد من المراحل حتى يصل إلى القمة، بداية من التعامل النقدي وصولاً إلى قمة التحول الرقمي، وكلما انتقل العالم من مرحلة إلى مرحلة، سيساعد ذلك على انخفاض المتوسط السنوي لعدد ونسبة الجرائم المتعلقة بالنقد في العالم، ويوضح الجدول التالي كيفية استفادة الدول بشكل كبير من تطبيق التحول الرقمي من خلال انخفاض عدد الجرائم المرتبطة بالنقد كالآتي:

البيانالمتوسط السنوي لعدد الجرائم المتعلقة بالنقدمتوسط الانخفاض المتوقع في عدد الجرائم المتعلقة بالنقدقيمة متوسط الانخفاض السنوي المحتمل في الجرائم النقدية (بالمليون دولار)
التعامل بالنقود21645152%71
بداية تطبيق التحول الرقمي16532574%110
نمو التحول الرقمي9203570%78
التحول الرقمي المتقدم6331378%242
قمة التحول الرقمي6256488%296
متوسط 100 دولة13328969%134
Reference: Roubini Thought Lab, 2019, ” Cashless Cities: Realizing The Benefits of Digital Payment”, Working Paper, New York.

     يوضح الجدول السابق، بأنه عند الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، سيساعد ذلك الدول على انخفاض المتوسط السنوي لعدد الجرائم المتعلقة بالنقد، ويظهر ذلك في أعلى مرحلة من مراحل التحول الرقمي وهي ” قمة التحول الرقمي”، حيث يبلغ المتوسط السنوي للجرائم المتعلقة بالنقد 62564 جريمة بمتوسط 100 دولة بالعالم، وسوف يكون متوسط الانخفاض المتوقع في عدد الجرائم المتعلقة بالنقد هي 88% وهي تعتبر نسبة مرتفعة، وتكون قيمة الانخفاض السنوي المحتمل في الجرائم النقدية هو 296 مليون دولار. بالتالي كلما انتقلت الدولة من مرحلة إلى مرحلة أخري في التحول النقدي والتوقف عن التعامل النقدي، سيساعد ذلك على تحقيق الدولة مكاسب كبيرة على المدي البعيد.

     يتطور العالم من عام لآخر، وتتطور معه أيضا المعاملات والخدمات والمنتجات المالية، ويساعد ذلك على تطور طرق ونظم المدفوعات بالعالم أيضا، فنحن نعيش الآن في عالم يحتوي على عديد من طرق الدفع، ولكن لكي يتم التحول إلى مجتمع رقمي، وأقل اعتمادا على النقد، لابد من استخدام طرق الدفع الحديثة، التي لا تعتمد على النقود كالمحافظ الالكترونية، والبطاقات بأنواعها، والدفع الالكتروني وغيرها من طرق الدفع التي تعزز التحول الرقمي، بدلا من استخدام النقود والحوالات النقدية والشيكات، ويوضح الشكل التالي توقعات نسبة استخدام طرق الدفع في السنوات الثلاثة القادمة في مصر والدول التي تعتمد على النقد.

     ماذا لو انتقلت مصر والدول التي مازالت تعتمد على النقد بشكل كبير حتى الآن، إلى تطبيق التحول الرقمي بشكل كامل؟، عند تطبيق التحول الرقمي في مصر، سيساعد ذلك على زيادة معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 25.7% سنويا على الأقل، وسيتم خلق وظائف إضافية تصل إلى حوالي 180.5 ألف وظيفة جديدة، ويزيد معدل الإنتاجية السنوية والأجور بمعدل 0.12% و0.11% على التوالي، ويوضح الجدول التالي السيناريوهات والفوائد المتوقعة لبعض الدول عند بداية تطبيق التحول الرقمي كالآتي:

الدولةمتوسط الزيادة السنوية في معدل نمو الناتج المحلي الإجماليخلق وظائف إضافيةنمو الإنتاجيةنمو الأجور
مصر25.7%1805000.12%0.11%
غانا22%1390000.01%0.18%
لبنان9.45%235000.01%0%
الارجنتين5.8%807000%0%
المغرب11%353000%0%
بنجلاديش34.9%2842000.2%0.1%
فيتنام36.4%670000.2%0.2%
Reference: Roubini Thought Lab, 2019, ” Cashless Cities: Realizing The Benefits of Digital Payment”, Working Paper, New York.     

     الآن نستطيع القول بأنه يمكن خلال السنوات القليلة القادمة إنشاء مدينة ذكية حقيقية في مصر، لا يوجد بها تعاملات نقدية على الإطلاق، وقد يساعد على ذلك التطورات التكنولوجيا المذهلة في الخدمات والمنتجات المالية وطرق الدفع الحديثة. فإن فكرة إنشاء مدينة ذكية حقيقية تعتمد على التحول الرقمي قد وصل إلى آفاق جديدة؛ حيث نفذت الحكومات المحلية في مدن متنوعة مثل نيويورك ومانيلا وأوسلو مكونات مبادرات المدن الذكية، بما في ذلك تقنيات الدفع الرقمية. حيث يتم دعم هذه المدن من خلال عديد من الاستثمارات الحكومية الوطنية، على سبيل المثال، قامت مبادرة المدن الذكية التابعة للحكومة الأمريكية بتحويل أكثر من 80 مليون دولار إلى 70 مدينة على مستوى البلاد، بينما خصصت الحكومة الوطنية في الهند ما يقدر بنحو 7.5 مليار دولار لمهمة المدينة الذكية. بالإضافة إلى ذلك، سوف تستفيد الحكومات من خلال موت المعاملات النقدية وزيادة التحول الرقمي، من خلال انخفاض تكلفة المعاملات المالية، انخفاض معدل الجرائم النقدية، زيادة المتحصلات الضريبية بسبب زيادة النمو الاقتصادي، تقليص الاقتصاد غير الرسمي. كما أن المدن التي تعتمد على التحول الرقمي ستكون أكثر جاذبية للمواهب الإبداعية، والشركات المبتكرة التي تحتاجها المدن للوصل إلى امكانياتها الكاملة.

شاهد أيضاً

جائحة كورونا وأنماط شخصيات الموظفين

شريف عز الدين – استشاري تطوير أفراد لقد عشنا جميعاً التأثيرات التي أدت إليها جائحة …