الشمول المالي نحو تحقيق التنمية المستدامة وخطوات مصر لتحقيقه

الدكتور/ محمد أبو نار – الخبير الاقتصادي و المصرفي

أصبح مفهوم التنمية المستدامة من المفاهيم التي طفت علي السطح في القرن الماضي – وقد تحدثت في مقال سابق عن كيفية تحقيق التنمية المستدامة عن طريق الشمول المالي، حيث أنه يعتبر احد الادوات الهامة لتحقيق البعد الاقتصادي للتنمية المستدامة من خلال امكانية تحقيق التمكين الاقتصادي، إذ يعنى “الشمول المالي” إتاحة جميع المنتجات المالية والخدمات البنكية حسب احتياجات كل فرد أو مؤسسة، ومن بينها: “حسابات التوفير، الحسابات الجارية، خدمات الدفع والتحويل، التأمين، التمويل والائتمان”، وغيرها من الخدمات المالية والمصرفية المختلفة، وذلك عبر القنوات الشرعية، مثل البنوك وهيئة البريد والجمعيات الأهلية وغيرهم، وبأسعار مناسبة للجميع، وسهلة الحصول عليها، مع مراعاة تامة لحماية حقوق المستهلك، بما يضمن تجميع الفئات المهمشة ماليًا من أصحاب الدخل المنخفض، للتعامل مع الجهاز المصرفي. وكذا “نسبة الأشخاص أو الشركات التي تستخدم الخدمات المالية”، طبقاً لتعريف البنك الدولي.

وتتخذ الدول العربية وعلى رأسها مصر العديد من الخطوات والإجراءات في سبيل النهوض بالشمول المالي، لتؤكد مجدداً ضرورة إدماج كافة فئات المجتمع وشرائحه بالنظام المالي الرسمي، خاصة الشباب والمرأة ورواد الأعمال، وقطاع المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وذلك من خلال تعزيز وصولهم واستخدامهم للخدمات والمنتجات المالية التي تتناسب مع احتياجاتهم بالتكاليف والشروط المعقولة، وحماية حقوقهم وتعزيز معرفتهم ووعيهم بالأمور المالية بما يمكنهم من اتخاذ القرار الاستثماري السليم.

الشمول المالي في جمهورية مصر العربية:

تتطلع مصر لأن تكون دولة رائدة في مجال المدفوعات الرقمية، وتعمل الدولة علي تشجيع نظام اقتصادي غير نقدي، وهناك حراك واضح في هذا المجال لا يمكن إغفاله، ويجب ترصده وتنميته، وذلك بالتزامن مع إستراتيجية التنمية المستدامة رؤية مصر “2030” التي تبنتها وزارة التخطيط، وقد تم العمل بهذه الإستراتيجية بدءا من يناير 2016، حيث تتضمن اثنا عشرة محورا وأهمها التنمية الاقتصادية والشفافية وكفاءة المؤسسات الحكومية.  وفي هذا الإطار ومع قيام البنك المركزي بدوره في الإشراف على نظام الدفع والذي يهدف منه ضمان التدفق النقدي من خلال أنظمة الدفع من أجل تحقيق الاستقرار المالي نشأت عدة مبادرات في السوق المصري، والتي تعد بذور طيبة للتحول للاقتصاد غير النقدي.

 التوجه نحو الاقتصاد غير النقدي: أهم هذه المبادرات: –

1.1   مشروع الدفع والتحصيل الإلكتروني الحكومي:  ووفقا للبنك المركزي فإن هذا المشروع يمثل تعاونا مشتركا بين البنك المركزي المصري ووزارة المالية، ويهدف لدفع المرتبات الشهرية وكافة المستحقات الأخرى للعاملين بالحكومة من خلال بطاقات تصدرها البنوك المصرية.  وتنفيذا للمشروع أعلنت وزارة المالية الخطة التي وضعتها لصرف رواتب جميع الموظفين العاملين بالدولة إلكترونيا من خلال بطاقات الصراف الآلي وقد ضم في البداية حوالي 2.5 مليون موظف.  وكانت وزارة المالية قد أصدرت منشور يلزم جميع وحدات الجهاز الإداري بالدولة بصرف المرتبات الكترونيا، وتجميع بيانات الموظفين واصدار كروت الصراف الآلي لكل منهم والتوقف عن صرف المرتبات بالأسلوب الورقي من خلال التعاقد مع أحد البنوك المشاركة بالمشروع، هذا بالإضافة إلى أن تعليمات وزارة المالية تلزم وحدات الجهاز الإداري بالدولة بصرف كافة مستحقات الموردين من خلال النظام الإلكتروني مع وضع حد أقصى بقيمة 500 جنيه مصري للمصروفات التي يجوز سدادها نقدا.

جدير بالذكر أن شركة e-finance هي المسؤولة عن تطبيق المشروع من الناحية التكنولوجية،. ويساعد مثل هذا النظام في التحول إلى الاقتصاد غير النقدي على الرغم من ارتفاع عدد الأشخاص غير الحائزين على حسابات بنكية، فالموظفون الصادر لهم بطاقات المرتبات وفقا لهذا النظام لهم الحق في الانتفاع من الخدمات التي تقدمها البنوك المصدرة للبطاقات “فلهم أن يحصلوا على كروت الائتمان والقروض” هذا بالإضافة إلى تمكينهم من استخدام البطاقة في شراء السلع باستخدامها كبطاقات خصم، وسيعد ذلك نموا ضخما في عدد الأشخاص الحائزين على حسابات بنكية حيث يبلغ عدد موظفي وحدات الجهاز الإداري بالدولة حوالي 7 مليون موظف.

2.1   مبادرة المدفوعات بواسطة الهواتف المحمولة: أعلنت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في يونيو2013 عن إطلاق مشروع “فلوس” والذي يتمثل في بوابة لدفع وتحويل الأموال عبر الهاتف المحمول، وكانت شركة اتصالات بالمشاركة مع شركة ماستركارد والبنك الأهلي المصري وشركة بنوك مصر للتقدم التكنولوجي هم أول من بدأوا في تقديم هذه الخدمة، والتي تمثلت آنذاك في الإتاحة للمشتركين لدى شركة اتصالات باستخدام المحمول في إجراء عمليات الدفع والتحويل للأموال بطريقة آمنة بين مستخدمي الشبكة الواحدة. وكانت أول مبادرة لاستخدام الهاتف المحمول في تحويل الأموال وتقديم الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول، ثم قامت شركة فودافون بالمشاركة مع بنك الإسكان والتعمير وموبينيل بالمشاركة مع بنك الإمارات دبي الوطني بتبني مشروع التعاملات المالية عبر الهاتف المحمول، واستمر هذا الاتجاه حيث اثبت جديته فطرح البنك الأهلي المصري خدمة الدفع عن طريق الهاتف المحمول باسم فون كاش دون الاعتماد على شركة محمول بعينها، فالبنك الأهلي يقدم هذه الخدمة للمواطنين سواء أكانوا عملاء للبنك أو غير عملاء.

إن البنك المركزي المصري هو المسئول عن الإشراف على نظم وخدمات الدفع من خلال وضع القواعد والمعايير والإرشادات المتعلقة بتشغيل نظم الدفع وتشجيع استخدام خدمات الدفع الإلكترونية وتعزيز كفاءتها. فقد أصدر البنك المركزي المصري القواعد المنظمة لهذه الخدمة  “قواعد تشغيل أوامر الدفع عن طريق الهاتف المحمول”. ونجد ان هذه المبادرة هي الأولى من نوعها لتعزيز الاقتصاد غير النقدي وتعد خطوة هامة في طريق الاندماج المالي نظرا لما يتيحه هذا النظام للأشخاص غير الحائزين على حسابات بنكية من إمكانية إجراء المعاملات غير النقدية بصورة فعالة. ثم بعد ذلك تم تطوير الدفع الإلكتروني من خلال الهاتف المحمول بهدف استخدام الخدمة المقدمة في سداد أقساط القروض متناهية الصغر إتباعا لنماذج في بلدان أخرى.

3.1 خدمة فوري: تم تأسيس شركة فوري في عام 2008 بالاشتراك مع شركات عاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات وبنوك عاملة في مصر. وتوفر الشركة شبكة مدفوعات إلكترونية لتسهيل دفع فواتير الهاتف والمرافق مثل الكهرباء والمياه وتذاكر السفر وأقساط التأمين والتبرعات وذلك كله عن طريق قنوات متنوعة منها ماكينات الصراف الآلي وصغار البائعين والصيدليات ومكاتب البريد ومن خلال الانترنت ومحفظة المحمول.

4.1   خدمة المدفوعات الإلكترونية للحكومة المصرية:  تأسست شركة تكنولوجيا تشغيل المنشآت الماليةe-finance  في عام 2005  لتصميم وادارة وتشغيل نظم الأعمال الإلكترونية لجميع الهيئات الحكومية والمؤسسات المالية والشركات، وكانت فكرة تأسيسها في الأصل هو العمل على تحويل التعاملات النقدية إلى نظام التداول الإلكتروني فعملت وتميزت في نظام السداد الإلكترونية وهو حجر الأساس في أي نظام قائم على المدفوعات غير النقدية.  بمبادرة من الدولة للوصول إلى التحول في الاقتصاد غير النقدي، وبدأت الشركة في تشغيل نظام السداد الإلكتروني عام 2009، وهي تقدم العديد من الخدمات، فإلى جانب خدمات الدفع والتحصيل الإلكتروني التي توفر من خلالها خدمات دفع المرتبات وتحصيل الضرائب والرسوم الجمركية واشتراكات التأمينات الاجتماعية فإن شركة e-finance توفر خدمات البنية التحتية وخدمات تكنولوجيا الأعمال وخدمات مركز البطاقات وغيرها من الخدمات الإلكترونية، كما تقوم بتنفيذ ميكنة سداد المعاشات والإعانات التي تقدمها وزارة التضامن الاجتماعي.

2. تعزيز الشمول المالي ومحاور التنفيذ: –

تعمل الحكومة جاهدة على تعزيز الشمول المالي في مصر من خلال عدة محاور على النحو التالي:

1.2   إنشاء المجلس القومي للمدفوعات: تم إنشاء المجلس القومي للمدفوعات بموجب القرار الجمهوري رقم 89 لسنة 2017 ، والذي يتضمن 16 عضوا منهم رئيس مجلس الوزراء ومحافظ البنك المركزي والوزارات المعنية، ويختص المجلس بخفض استخدام أوراق النقد خارج القطاع المصرفي ودعم وتحفيز استخدام الوسائل والقنوات الإلكترونية في الدفع بديلا عنه،  وتطوير نظم الدفع القومية والعمل على تحقيق الشمول المالي وذلك بهدف دمج أكبر عدد من المواطنين في النظام المصرفي وضم القطاع غير الرسمي إلى القطاع الرسمي وكذا تخفيض تكلفة انتقال الأموال وزيادة الحصيلة الضريبية . كما يهدف المجلس إلى حماية حقوق مستخدمي نظم وخدمات الدفع وتنظيم عمل الكيانات القائمة ورقابتها وذلك عبر اتخاذ قرارات محددة بإطار زمني أهمها إعداد مشروع قانون شامل لتطوير المعاملات غير النقدية والالتزام بوضع حد أقصى لتلك المعاملات، فضلا عن وضع تصور لإنشاء منظومة تكنولوجية متكاملة.

2.2   بيئة تشريعية مواتية للتحول نحو الشمول المالي: يتطلب تحول المجتمع إلى الشمول المالي توافر بيئة تشريعية مناسبة تحدد الحقوق والواجبات، حيث يعتبر القانون بمثابة الإطار التشريعي الذي سيتيح لمصر مواجهة الجرائم الإلكترونية التي لا توجد لها قوانين أو نصوص تحددها وتتعامل معها حاليا في القانون المصري، من خلال مناقشة مشروع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات من قبل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب.

3.2   المبادرات الداعمة لمفهوم الشمول المالي: تهتم الحكومة المصرية ممثلة في البنك المصري بتطبيق وارساء مفهوم الشمول المالي عبر إطلاق العديد من المبادرات الداعمة لهذا التوجه، من أهمها:

* مبادرة حساب لكل مواطن:  ضم أكبر عدد من فئات المجتمع إلى النظام المالي عبر تشجيع المواطنين على فتح حسابات بنكية، من خلال إطلاق البنك المركزي مبادرة الشمول المالي بالتنسيق مع جميع البنوك العاملة في مصر تحت عنوان “حساب لكل مواطن”، ودعا البنك المصارف إلى تسهيل فتح حسابات بالبنوك للمواطنين دون حد أدنى لفتح الحساب مشددا على ضرورة الانتشار بالأقاليم والمناطق النائية والمدارس والنوادي والجمعيات وذلك لتوعية المواطنين بالمشاركة في المبادرة.

* مبادرة التمويل العقاري: أطلقها البنك المصري في فبراير 2014 ، وتم بموجبها تخصيص مبلغ 10 مليارات جنيه لمدة 20 سنة وأسعار مخفضة للبنوك لتقوم بإعادة إقراضها لمحدودي ومتوسطي الدخل بسعر عائد متناقص بمشروعات الإسكان بالمجتمعات العمرانية، كما سمحت مبادرة البنك المركزي الخاصة بالتمويل العقاري بالحصول على القرض بفائدة بسيطة بعد تخفيض نسبة الفائدة لتتراوح بين 5% إلى 7% لمحدودي الدخل حسب دخل الفرد، و 8% لمتوسطي الدخل و 10.5% لفوق متوسطي الدخل بشرط ألا يتجاوز سعر الوحدة 950 ألف جنيه.  وقد لاقت هذه المبادرة إقبالا كبيرا من المواطنين لانخفاض نسبة الفائدة على القرض وسهولة الحصول عليه، الأمر الذي جعل البنك يقر رفع إجمالي الأموال المخصصة للمبادرة من 10 إلى 20 مليار جنيه، ثم أطلقت الدولة في مارس 2021 مبادرة اخري للتمويل العقاري للشرائح محدودة ومتوسطة الدخل وتمتد مدة السداد بها الي 30 عاماً وبسعر فائدة مخفض يصل الي 3%، وخصصت لها الدولة مبلغ 100 مليار جنيه.

* مبادرة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة: من خلال تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتي تم إطلاقها في يناير 2016 بشريحة 200 مليار جنيه بفائدة 5% متناقصة للمشروعات الصغيرة لكافة الانشطة سواء الصناعية او التجارية او الخدمية (وقد تم الغاء المبادرة للنشاط التجاري في 1/2019)، وبفائدة 7% متناقصة لتمويل الاصول الثابتة للمشروعات المتوسطة لتمويل القطاع الزراعي والصناعي والطاقة المتجددة ، وبفائدة 12% متناقصة لتمويل المشروعات المتوسطة لتمويل رأس المال العامل للمشروعات الصناعية والزراعية والطاقة المتجددة (قد تم الغاء المبادرتين الاخيرتين في 2019) ، وقد اطلق البنك المركزي مبادرة اخري في 12/2019 لدعم الانشطة الصناعية والزراعية بسعر فائدة 8% متناقص للشركات التي يزيد حجم مبيعاتها عن 50 مليون جنيه سنوياً.

* خدمات الدفع عن طريق الهاتف المحمول: أصدر البنك المركزي في نوفمبر 2016 الإصدار الجديد للقواعد المنظمة لخدمات الدفع باستخدام الهاتف المحمول في خطوة نحو تحقيق المزيد من الشمول المالي، تعمل على تحقيق:

– توسيع نطاق مقدمي الخدمة ليشمل مكاتب البريد وفروع الشركات متناهية الصغر والجمعيات الأهلية للوصول لأكبر عدد ممكن من المواطنين.

– تقديم جميع أنواع خدمات الدفع والتحصيل الإلكتروني داخل الجمهورية.

– تقديم خدمات مالية جديدة عن طريق الهاتف المحمول، مثل صرف الرواتب، تحصيل أقساط التمويل متناهي الصغر بالإضافة إلى المدفوعات الحكومية.

– بلغ عدد المشتركين في خدمة تحويل الأموال عبر المحمول نحو  9.2 مليون عميل منذ إطلاق المبادرة في يوليو 2017 .

الخاتمة:

يوفر الشمول المالي تقديم خدمات ومنتجات مالية متطورة وبأسعار معقولة مثل المعاملات والمدخرات والمدفوعات والتأمين والائتمان وغيرها من الخدمات المالية المختلفة بطريقة مستديمة ومسؤولة.

الوصول إلى المعاملات لا شك هو خطوة البداية للشمول المالي، فحسابها يسمح بالادخار وتبادل المدفوعات ويعتبر بمثابة بوابة لخدمات مالية أخرى، وهذا ما ركزت عليه مجموعة البنك الدولي، فقد تستخدم الخدمات المالية المختلفة في أعمال تجارية هامة وفي الاستثمارات المالية المختلفة في شتى المجالات.

وفي مواجهة الأزمات المالية، فمنذ عام 2010 قامت عدة دول بإعداد وتنفيذ استراتيجيات وطنية لتحقيق التقدم نحو الشمول المالي، وهيأت السياسات التنظيمية لذلك، وشجعت على الابتكار والمنافسة في مجال الخدمات المصرفية والمالية، وقد ساعد في ذلك التطور التكنولوجي الصارخ خاصة في السنوات القليلة الماضية، مما عمل على انتشار التكنولوجيا المالية الرقمية، والتي أدت إلى توسيع نطاق تبادل الخدمات المالية في كل مكان، وبين كل أنواع المؤسسات والشركات الكبيرة أو الصغيرة ورجال الأعمال والتجار وحتى الأفراد العاديين.

شاهد أيضاً

هى ليست رحلة التحول الرقمى

بقلم: د. عمرو جلال – محاضر وخبير تكنولوجيا المعلومات كثيرا ما نسمع مصطلح “رحلة التحول …