الثروة البشرية والثورة الصناعية الرابعة

بقلم: أحمد البخاري – مدير تنفيذى، مؤسسة Talent Management  Assess

تعمل الثورة الصناعية الرابعة على طمس الخطوط الفاصلة بين الناس والتكنولوجيا ، ودمج العوالم المادية والرقمية والبيولوجية ، ولا شك إن تلك الثورة الصناعية ستؤثر على الطريقة التي يعمل بها الأفراد والشركات وهذا بلا شك سيغير كثيراً من طبيعة العمل في المستقبل وبالطبع سيغير دور منظومة إدارة الثروة البشرية التي تتطلع إلى إمكانية إتاحة الفرصة للمزيد من الأشخاص لتحقيق إمكانياتهم الكاملة.

يتطلع الجميع وبخاصة الرؤساء التنفيذيون إلى إدارة الثروة البشرية آملين منها أن تقوم بدورها المتوقع من خلال الاستجابة المثلى لهذا التحدي من خلال مساعدة مؤسساتهم وقادتهم على استيعاب التطور المتسارع في التكنولوجيا، وتعزيز الابتكار، وتمكين نماذج عمل جديدة، وجذب أفضل العناصر البشرية والاحتفاظ بها وتطويرها. وبالتأكيد تحتاج إدارة الثروة البشرية للتطور والنمو المستمر، فبالطبع لم تكن إدارة الثروة البشرية ثابتة خلال القرن الماضي، بل مرت بمراحل تطور مذهلة، فخلال القرن الماضي شهدت إدارة الثروة البشرية تطورا مستمرا في مفاهيم الإدارة، ويمكن تلخيص هذا التطور في عدد من الطفرات والمراجعات في أساليب الإدارة لتتماشى العملية الإدارية مع إحتياجات العصر الذي حدثت فيه تلك الطفرة.

 فمع أوائل القرن العشرين، ظهرت الحاجة لإدارة الثروة البشرية بأسلوب يتماشي مع احتياجات تلك المرحلة الصناعية من خلال إدارة الأفراد والتي كانت تعني بالأساس بضمان سير العملية الانتاجية على خطوط الإنتاج وهنا كانت الحاجة ملحة للتركيز على شئون الأفراد من توظيف وتدريب وحضور وانصراف إلا أن بداية دخول الثورة الصناعية الثانية تطلب تطويرا في أساليب الإدارة، فبدأ النظر إلى العامل البشري كمورد رأسمالي أساسي مكمل للموارد الصناعية من أراضي ومعدات وآلات وهو ما تطلب النظر في احتياجات العنصر البشري للتحفيز والتطوير الشخصي والوظيفي ومراجعة الآداء وهو ما انعكس على طبيعة العلاقة بين الشركة والعامل من خلال التركيز على الأمان الوظيفي والامتيازات بعيدة الأمد، إلا أن طبيعة التغيرات خلال الثمانينيات والتسعينات والثورة الرقمية اللاحقة أدت إلى الإسراع بوتيرة التطور والذي تطلب الكثير من التخصص والتفرد،  وهو ما تطلب النظر في دور إدارة الموارد البشرية وتحويلها إلى إدارة للمواهب والمهارات  ، وهو ما دفع الشركات لاستحداث طرق جديدة للتعامل مع تلك المواهب ومنها استخدام البرامج التدريبية المطولة واستخدام برامج التقييم السيكومتري والتوسع في استخدام التقييم الإداري 360 والتقييم المؤسسي.

لكن يبدو أننا لن نتوقف عند هذا الحد. فخلال العقد الماضي ومع دخول الثورة الصناعية الرابعة فقد دخلت مفاهيم جديدة في إدارة الثروة البشرية ومنها إدارة تجربة الموظف Employee Experience Management. بينما ركزت المؤسسات في الماضي على تصميم تجربة إيجابية للعملاء فإن المؤسسات الحديثة وسعت مفهوم إدارة التجربة لتشمل توفير تجربة رائعة ليس للعملاء فحسب بل للموظفين كذلك. إدارة تجربة الموظف هي التصميم المتكامل لكل نقاط الاتصال والتفاعل بين الموظف والمؤسسة من التوظيف إلى الإعداد وحتى إدارة الخروج من تلك المنظمة. وبالطبع كما جرت العادة خلال العقود الأخيرة تلعب تكنولوجيا المعلومات دورًا مهمًا في تبني الاستراتيجيات التي تساعد في إدارة تجربة الموظفين من أجل بناء فرق فعالة والاحتفاظ بأفضل المواهب. كذلك تشمل إدارة خبرة الموظف الفعالة نطاقًا أوسع بكثير من إدارة الموارد البشرية التقليدية – فهي تدعم المزيد من التطوير المهني والشخصي الاستثنائي.

يتم تقييم وتحسين تجربة الموظف من خلال مسارات متعددة على مدار اليوم وأسبوع العمل. على سبيل المثال ، قد يكون لدى الموظف مراجعة مستمرة مع مشرفه Continuous Performance Management ، ,مما يحسن الرضا الوظيفي العام ويؤدي إلى تجربة إيجابية للموظف. تأتي تجربة إدارة الآداء المستمر كبديل عن نموذج تقييم الآداء الدوري الكلاسيكي الذي بات موضع شك في بعض المؤسسات التي ترى فيه عيوبا أكثر من المزايا.

تقوم المؤسسات بمراجعة تجربة الموظفين الشاملة الخاصة بهم وإنشاء أنظمة لتشجيع التفاعلات الإيجابية،  ومحاصرة أسباب التفاعلات السلبية للموظفين ، ويكون ذلك من خلال استبيات مشاركة الموظفين المستمرة الخاطفة Pulse Surveys والتي جاءت أيضاً بديلاً عن الاستبيان السنوية Annual Surveys ، ولعل التحول للتفاعل المستمر جاء مدفوعا بالرغبة في زيادة عدد نقاط الاتصال بين المؤسسة والموظف.

تدرك إدارة خبرة الموظفين الأهمية الحاسمة لموظفي الشركة في نقل قيمة العلامة التجارية للعملاء الخارجيين حيث يتحول ولاء الموظفين للعلامة التجارية للمؤسسة إلى انغماس معرفي وعاطفي لا يقدر بمال.

هناك العديد من الأسباب المقنعة التي تجعل إدارة تجربة الموظف أمرًا بالغ الأهمية للمؤسسات. لقد أصبح من الصعب بشكل متزايد على المنظمات جذب أفضل المواهب والاحتفاظ بها ، ولذلك فإن تجربة الموظف الإيجابية لها فوائد طويلة الأجل للمؤسسة. والحقيقة هي أن تجربة الموظف تبدأ قبل التوظيف بوقت طويل حيث تتضمن العديد من مواقع التوظيف الكثير من المراجعات والتقييمات التي تركها الموظفون السابقون حول تجربهم في تلك الموسسات. المراجعات السلبية ونتائج التجارب السيئة للموظفين يمكنها أن تحرم المؤسسات من استقطاب أفضل المواهب.

تؤثر المشاركة النشطة للموظفين بشكل إيجابي على الأعمال من خلال تحسين الأداء وانخفاض احتمالية مغادرة الموظفين العاملين كما يساعد على تحسين الإيرادات وتحسين تجارب العملاء.

شاهد أيضاً

التحول الرقمي … حجر الزاوية خلال جائحة كورونا وما بعدها

انجـــــــــــي حـــــــراز – مدير عام الخدمات المصرفية الرقمية بالبنك الأهلي المصري و رئيس لجنة الخدمات …