الإدراك (1)

دكتور أحمد حسني – مدير مراكز تطوير الأعمال – مبادرة رواد النيل

تناولنا في المقال السابق “مفهوم الانتماء التنظيمي”، وكيف يتولد، استنادا إلى العلاقة النفسية بين الفرد والمنظمة، والتي يحكمها “العقد النفسي” الموقع بين الفرد والمنظمة، وهو عقد بالطبع غير مكتوب تم اعتماده بين الطرفين وفقا “لنظرية التوقع”.

كما تناولنا “مفهوم الرضا عن العمل” وتوصلنا إلى أن عملية الادراك غير السليم لما يدور حولنا قد يحول دون الوصول إلى توقعات وتفضيلات جيدة تخالف إلى حد بعيد الرغبة الانسانية الطامحة إلى ما هو أكثر وأفضل وأجمل وأسرع، ومحاولتها الفطرية لتحسين كل شيئ لصياغة مستقبل أفضل.

   وتعتبر الملاحظة والتجربيب عنصران أساسيان لإكتشاف كل ما هو جديد حتى في نفسك. فقد تكتشف مهارات وقدرات كنت لا تعلم حقيقتها لديك، فاسعى دائما لاكتشاف قدراتك، ولكن عليك أن تعرف أن النقد العقلاني حتى لذاتك هو العنصر الحاكم بين الملاحظة والتجريب. فلا تكن سجين إطارك المرجعي معتقد خطأ أنه حقيقة مسلمة ومطلقة صالحة لكل زمان ومكان، عندئذ ستحيا داخل أسطورة إطار زائف بعيد عن ركب التطور بآلاف الأميال.

والحل أن تجعل إطارك المرجعي دائما قابل للنقد العقلاني، وقتئذا ستكتشف حقائق جديدة قد تكون غائبة عنك أو تصل من خلالها إلى فكرة جديدة وابتكار علمي جديد وتحافظ على صدارتك وتفوقك.

ولزيادة دوائر المعرفة حول الإطار المرجعي، وكذا ما يمكن أن تصل إليه مجتمعات ظلت سجينة لإطار زائف أرشح لك كتابان حول هذه المعاني:

ملحوظة وجب التنوية إليها في إطار سلسلة المعرفة الإدارية وهي الفرق بين المدخل والمنهج: المدخل: يمثل الإطار الاستراتيجي لفهم الواقع وتفسيره وهو المرشد لتطبيق أسلوب وآلية التنفيذ، ويجب أن نتفق عليها وهذه دوائر البحث العلمي لتفسير الظواهر من حولنا. المنهج: ويمثل آلية وأسلوب وطريقة التنفيذ، وتتنوع المناهج من مقبول ومرغوب ومفضل ولكنها لا تخرج عن الاطار العام.

إذا بوابة تفوق الانسان في الحياة ومفتاح أدائه يكمن في عملية الفهم والإدراك بكل تعقيداتها وخفاياها.  قما حقيقة مفهوم الإدراك، وكيف تتم العمليات الإدراكية، وكيف يستفيد (الفرد/ المنظمة) من العمليات الإدراكية وتوظيفها لخدمة أهداف التغيير مثلا؟  

مفهوم الإدراك Perception

يعبر الإدراك عن نظرة وترجمة الفرد الخاصة والذاتية للحقائق من حوله.، وهذه النظرة وهذه الترجمة قد لا تمثل الواقع بالضبط ولكنها تفسير لهذا الواقع سواء كان ماديا أو معنويا، حسبما يراه الشخص متأثرا باتجاهاته وقيمه وتعليمه وخبراته السابقة.

فكثيرا ما ترى الناس قد يختلفوا في تفسيرهم للأشياء المادية كالعمل الجاد، والالتزام، والتعاون، والصالح العام …. أكثر من اختلافهم حول الأشياء المادية الظاهرة كالآلة أو السلعة … التي يلمسونها ويقيسونها بمقاييس موضوعية لا تحيز فيها.

وكثيرا ما تكون نفس الحقيقة التي نراها غير الحقيقة التي يراها ويدركها الآخرون، وقد يكون ما أدركناه هو الحقيقة أو لا تكون.

فمثلا في اجتماع لفريق عمل، يركز معظم الناس على المناقشة اللفظية ويفشلون في الانتباه إلى خلفية الرسائل غير اللفظية التي قد تكون لها معان ومدلولات أكثر جدوى في فهم مجريات المناقشة وأداء الفريق.

عناصر العملية الإدراكية:يتكون الإدراك من أربع عمليات متصلة كما يلي:

  1. حدوث المثير أو المحرك: المدير (المشرف) يخبر العامل أن إنتاجه غير مطابق للمواصفات.
  2. الانتباه والتسجيل في الإطار الفكري للفرد: وهنا يختلف الأفراد في انتباههم للأحداث أو جزء منها فقد ينتبه العامل للهجة الشديدة للمدير أو المشرف وتستحوذ على انتباهه.
  3. تفسير الحدث : وتتأثر هذه العملية بشخصية الفرد ودوافعه ومعلوماته وخبراته السابقة، فقد يعتقد العامل في المثال السابق أن المدير أو المشرف سيطبق عليه عقابا معينا ويعتقد أنه يتربص به. وآخر قد ينتبه إلى جسامة الخطأ ويقرر أنه مخطئ.
  4. الاستجابة : أي التصرف أو السلوك الذي يتبعه الفرد للرد على الحدث. وهنا يختلف الأفراد في نوع الاستجابات التي يظهرونها. فقد يكون رد الفعل في مثالنا هذا ترك العمل، أو الغياب. التبرير وتقديم الأعذار. وقد يختار آخر مضاعفة جهده وتحسين أدائه.

وتتأثر هذه العمليات الأربع (رؤية الشيء وتسجيله وتفسيره والاستجابه له) بعدة عوامل بعضها شخصي، والآخر موقفي:

  1. العوامل الشخصية: الحالة الصحية والجسمانية للفرد، التربية التي تلقاها مبكرا في أسرته، العمر، الحاجات التي يسعرى الفرد لإشباعها، الخبرات والتجارب السابقة، المرونة ودرجة استقلال الفرد، مدى التفاؤل وحب المغامرة.
  2. العوامل الموقفية: العادات والتقاليد والعرف السائد في المجتمع، حجم الحدث ومدى تكراره وترتيب حدوثه.

نموذج مونرو في التسلسل المقنع أحد تطبيقات العملية الإدراكية لخلق الطلب على المنتجات والخدمات:

عند إدارة حوار أو لقاء، عليك تحريك مستمعيك للقيام بفعل ما باستخدام سلسلة من الخطوات المحفزة، وأحد أكثر النماذج شهرة في تنظيم بنية الإلقاء المُحرك هو الذي قدمه (ألان مونرو) في الثلاثينيات (Alan Monroe) والذي يدعى “السلسلة المحفزة”The motivated sequence.

وقد أشار مونرو إلى أن الإقناع يكون سهل التحقيق إذا استطاع المتكلم تحريك المستمع بشكل تعاقبي من خلال سلسلة من خمس خطوات:

أولا: أن يثير المتكلم انتباه مستمعيهم (attention): عليك أن تجذب انتباه المستمع بأسلوب مشجع، وأن تثير لديه إدراك شيء لم يكن يدركه لولا حديثك المثير للانتباه.

ثانيا: أن يؤسس المتكلم إلى الحاجة (need), بعد أن تمكنت من الاستحواذ على اهتمام المستمع، عليك أن تشعره بحاجته للتغيير (وهذه الخطوة هي مشابهة للمشكلة وحلها وتحتاج إلى وضع خطة لتلبيتها”). وحين تعبر عن مشكلة بوضوح وطرح الأمثلة والأدلة المقنعة فإنك تخلق الإلحاح لحلها

ثالثا: خطوة الرضا (satisfaction): أن اقتراح الحل نادراً ما يكون كافياً لإحداث التغيير، فبعد شعور المتلقي بالحاجة، عليك أن توضح كيف ستنجح خطتك عند تطبيقها.

رابعا: التخيل (visualization): وهو خطوة مونرو الرابعة, حاول أن تنتقل بالمستمع إلى المستقبل بحيث يمكنه تخيل نفسه مستمتع بالمميزات التي ستعود عليه تبنيه لخطتك.

خامسا: الفعل (action): وهي خطوة ترجمة الرغبة التي أثرتها في خطوة التخيل إلى فعل وواقع. واشرح باختصار الخطوات والإجراءات المطلوبة لوضع طلبه موضع التنفيذ

واعلم أن العميل سيقوم بتقييم حواره معك من خلال المحددات الستة التالية:

  1. الوقت: كيف ستوفر وقت العميل؟ لا يهتم عميلك بما إذا كان بنكك هو الأقدم في مجاله. فهو يرغب أن يعرف كيف ستوفر خدماتك وقت موظفيه وعملائه على المدى القصير، وكيف سينعكس الوقت الذي تم توفيره على المدى البعيد.
  2. المال: كيف ستوفر له المال؟ لا يهتم العميل بما إذا كان البنك الذي سيتعامل معه هو أكبر بنك في العالم، فهو يريد ألا يتكبد تكاليف إضافية، ويريد زيادة مبيعاته ومن ثم أرباحه.
  3. الراحة النفسية: كيف ستريحه نفسيا؟ لا يهم العميل إن كنت الأفضل في مجالك إلا إذا تمكنت من عرض الحلول الفعالة لمشاكله وإراحته من الضغوط اتي يتعرض لها على الدوام.
  4. الأمان: كيف ستوفر له الأمان وتشعره بأنك ستكون موجودا ومتاحا لخدمته على الدوام؟ فيجب أن يعرف العميل ما إذا كان استثماره معك أو مشاركته لك قرارا صائبا أم لا.
  5. الاستمتاع: يريد العميل أن يتأكد من أن العمل معك سيكون تجربة ممتعة.
  6. سهولة الاستخدام: كيف ستجعل حياة العميل وعمله أسهل؟ لا يحتاج تكنولوجيا معقدة.

كما ينشأ عن العمليات الادراكية أنماط متعددة من السلوك البشري، كلُ له قدراته ومعتقداته ولا يمكن أن ننظر إلى الأفراد على أنهم قوالب متماثلة، فهم لا يتصرفون ولا يصح التوقع بأنهم سيتصرفون نفس التصرف دائما في مواقف معينة ومن هذه الأنماط: المتردد Indecisive،مدعي المعرفة Know-it-all ،الموافقون دائما Agreable، الشاكي دائما Complainer ، الساكت قليل الكلام Silent، الهجومي/ العدواني/ المشاكس Aggressive، السلبي Negativist

شاهد أيضاً

جائحة كورونا وأنماط شخصيات الموظفين

شريف عز الدين – استشاري تطوير أفراد لقد عشنا جميعاً التأثيرات التي أدت إليها جائحة …